محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
188
الآداب الشرعية والمنح المرعية
الحياء فلا غيبة فيه . وقال الحجاج بن قرافصة قلت لمجاهد : الرجل يكون وقاعا في الناس فأقع فيه أله غيبة ؟ قال : لا ، قلت من ذا الذي تحرم غيبته ؟ قال رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين ، خفيف البطن من أموالهم ، أخرس اللسان عن أعراضهم ، فهذا حرام الغيبة ، ومن كان سوى ذلك فلا حرمة له ولا غيبة فيه فهذه في غير النصيحة . ورواية الكحال تحريم الغيبة مطلقا ، والأشهر عنه الفرق بين المعلن وغيره ، وظاهر الفصول والمستوعب أن من جاز هجره جازت غيبته ، ومرادهما واللّه أعلم ومن لا فلا . ورواية الكحال أيضا تدل على تحريم لقب كالأعمش ، وقد تقدمت في أوائل الكتاب وأن رواية الأثرم تدل على جوازه إذا لم يعرف إلا به . وقد احتج البخاري على غيبة أهل الفساد وأهل الريب بقوله عليه السّلام في عيينة بن حصن لما استأذن عليه " 1 " : " بئس أخو العشيرة " ويأتي ما يتعلق بهذا خبر عتبان بن مالك في إنكار المنكر المظنون وفي الصحيحين تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بتبوك " ما فعل كعب بن مالك ؟ " " 2 " فقال رجل من بني سلمة : يا رسول اللّه حبسه برداه ونظر في عطفيه ، فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت فسكت رسول اللّه . ففيه الطعن بالاجتهاد والظن وأن من ظن غلط الطاعن رد عليه ولم ينكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على واحد منهما ومن الغيبة للتظلم قوله تعالى : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [ سورة النساء : الآية 148 ] . وقال ابن هبيرة في حديث معاذ " 3 " : " واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللّه حجاب " لقدرته سبحانه على العدل الذي أمر به . قال : وعلى هذا أرى قوله تعالى : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [ سورة النساء : الآية 148 ] . إن الاستثناء من الجنس ليس بمنقطع كما كان يقول الشيخ محمد بن يحيى الزبيدي . وذلك أن المظلوم إذا شكا إلى اللّه تعالى اقتضى عدل اللّه عز وجل الإيقاع بظالمه ، فيحب اللّه سبحانه وتعالى أن يجهر المظلوم بالشكوى ليكون المقدر والإيقاع بالظالم مبسوط العذر عند الخلق ، وزاجرا لأمثاله عن أمثال فاعله ، وإنما يمهل الظالم من جهة أن الخلق إذا ملك أحدهم مملوكين فجنى على أحدهم جناية فإن أرشها لسيده ، فالخلق ملك للّه عز وجل فلا اعتراض عليه ، فلو لا هذه الحالة لما كنت أطمع للظالم أن يؤخر الإيقاع به طرفة عين . انتهى كلامه .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6032 ) ومسلم ( البر والصلة / 73 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 388 ) ومسلم ( التوبة / 2769 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 1395 ) ومسلم ( الإيمان / 19 ) .